التفاصيل الكاملة لقصة نزاع أسرة سيدة التعليم
حسمت النيابة المصرية، مستندةً إلى تقارير الطب الشرعي، أوراقَ قضية وفاة أحمد الدجوي، حفيد سيدة التعليم والأعمال نوال الدجوي، مؤكدةً أن الوفاة جاءت انتحارًا، لا كما ادّعى شقيقه من أنها كانت مدبَّرة.
جاء تقرير الطب الشرعي حاسمًا في تحديد طبيعة الوفاة، إذ أكد خلوَّ الجثة من أي إصابات أو آثار تشير إلى تعرّض أحمد الدجوي لاعتداء خارجي، موضحًا أن الإصابة النارية كانت ذات فتحة دخول وخروج في منطقة الفم والرأس، ناجمةً عن مقذوف ناري مفرد أُطلق من مسافة قريبة تصل إلى حدّ التلامس، باتجاه من أسفل إلى أعلى ومن الأمام إلى الخلف، في وضع طبيعي للجسم — وهي ملابسات تتوافق فنيًا مع حالات الانتحار.
وبذلك تُغلق القضية من زاوية الاشتباه في القتل. غير أن شقيق الفقيد، عمرو الدجوي، نشر روايةً مفصّلة بعنوان «سرقة القرن»، كشف فيها تفاصيل ما وصفه بجريمة منظّمة طالت إرث عائلته.
نوال الدجوي .. البداية
في مايو ٢٠٢٥، تقدّمت امرأة ببلاغٍ إلى الشرطة تزعم فيه أن خزينة منزل جدّتها تعرّضت للسرقة في أكتوبر من العام ذاته. ملايين الجنيهات، وعملات أجنبية، وسبائك ذهبية، ومشغولات ثمينة — هكذا وصف البلاغُ المحتوياتِ المنهوبة. وما إن استُكمل المحضر حتى توجّهت أصابع الاتهام نحو اثنين بالاسم: عمرو الدجوي، وشقيقه أحمد — رحمه الله.
كان المشهد مُعدًّا بعناية: امرأة تلطم وتبكي أمام رجال الشرطة، وفنّي يُسارع إلى فتح الخزينة في الحال، وتوكيل رسمي يُضفي على كل شيء صبغةَ الشرعية. غير أن رجال المباحث لم يبتلعوا الطُّعم، وبدأوا في سبر أغوار الحادثة بأداةٍ أكثر برودةً وأعمق نفاذًا: الكاميرات.
المسرحية الرخيصة
«إنجي منصور» — ابنة العمة — حضرت إلى شقة جدّتها «نوال الدجوي» في أكتوبر برفقة والدتها «منى الدجوي»، حاملةً مفاتيح الخزينة. وما إن حاولت فتحها حتى اكتشفت أن القوالين قد تبدّلت، والمفاتيح الأصلية لم تعد تنفع. ثمة شيء ما كان مختلفًا تمامًا.
لم تتردد «إنجي» لحظة. أمسكت هاتفها واتصلت بالشرطة. ثم — وهذا هو العجب — اتصلت أمام رجال الشرطة أنفسهم بفنّي صيانة خزائن اسمه «مصطفى سيد هدية»، طالبةً منه الحضور فورًا. جاء الرجل في الحال، كأنما كان يقف خلف الباب، وفتح الخزينة قدام الجميع — فإذا بها فارغة تمامًا، لا ذهب ولا عملة ولا ورقة واحدة.
«أخواتي هم السارقون!» — هكذا صرخت إنجي منصور بدموع سخية أمام رجال الشرطة، وأصابع الاتهام تتجه نحو أخويها: عمرو وأحمد الدجوي.
استخدمت إنجي ووالدتها توكيلًا رسميًا صادرًا باسم «نوال الدجوي» لرفع بلاغ ضد حفيديها، مدّعيتين أن الثراء المفاجئ الذي بدا عليهما — من سيارات وعقارات — يكشف تورّطهما في السرقة. الهدف كان مرسومًا بوضوح: تحويل عمرو وأحمد إلى مجرمَين في أعين الناس، وإدانتهما بحكم لا يُمحى.
الكاميرات لا تكذب
لم تكن رواية المسرحية مُحكمةً بما يكفي لتمرّ على رجال المباحث. بدأوا في التحريات، وانكبّوا على تفريغ كاميرات المراقبة في محيط العقار. وهنا بدأ الستار يتهاوى قطعةً قطعة.
رصدت الكاميرات أن سائق «إنجي» الخاص وعامل نظافة قاما بقطع التيار الكهربائي عن المبنى بالكامل لمدة أربع دقائق متواصلة. في تلك الدقائق الأربع بالذات، أُزيلت كاميرا المراقبة المثبّتة أمام باب الشقة — وهي الكاميرا الوحيدة التي كان يمكنها توثيق ما جرى.
لم يكن الأمر ارتجالًا. كشفت التحريات أن «إنجي» ووالدتها كانتا قد اشترتا خزينةً ضخمة لمنزلهما قبل تنفيذ العملية بفترة كافية — تمهيدًا لتخزين المسروقات فيها. الجريمة إذن لم تُرتكب في لحظة اندفاع، بل كانت مدروسةً ومُنظَّمة من الأساس.
رصدت كاميرات المنطقة المحيطة الفنّيَّ «مصطفى هدية» وهو يدخل إلى المبنى متخفّيًا عبر الجراج، ويصعد بالمصعد. وحين خرج، كان يحمل في يديه حقيبتين سفر كبيرتين ثقيلتين. لم يكن رجلًا جاء لإصلاح خزينة — بل جاء لنقل محتوياتها.
في اليوم التالي للبلاغ مباشرةً، رصدت كاميرات شارع محمد مظهر بالزمالك السائقَ وهو ينزل حقائب سفر بالغة الثقل على مراحل، ويُدخلها إلى شقة هناك. كان هذا هو مستودع الغنائم.

الفنّي يغنّي في التحقيقات
حين قبضت المباحث على «مصطفى هدية»، انهار بالكامل أمام المحققين، وانفتح لسانه بتفاصيل لم يكن يتوقع أحد أن تُسمع.
اعترف بأن «منى الدجوي» وابنتها «إنجي منصور» تواصلتا معه سرًا في أواخر عام ٢٠٢٤ للتخطيط للعملية. كان الدافع صريحًا: الخوف من أن يحصل عمرو وأحمد على نصيبهما في الميراث. فكان الحل — في منطقهما المعوجّ — الاستيلاء على الثروة قبل أن يمتدّ إليها أيّ حق.
اعترف بأنه ساعد في تفريغ محتويات الخزينة في حقائب سفر، ثم تُركت الخزينة بقوالينها المبدّلة كما هي — كديكور لمسرحية ستُعاد أمام الشرطة. وكان ثمن صمته ٣٠٠ ألف جنيه فتح بها محلًا لصيانة الخزائن، فضلًا عن ٨٠ ألف جنيه حُوِّلت إليه عبر فودافون كاش من مهندس يعمل لدى «إنجي منصور» — وكل ذلك موثّق في سجلات التحويلات المالية.

التوكيل — سلاح ذو حدّين
التوكيل الرسمي الذي أصدرته «نوال الدجوي» — المرأة المسنّة التي لا تعلم شيئًا مما جرى — كان الأداة المحورية في هذه القضية بشكل يبلغ حدّ المفارقة المأساوية.
استُخدم أولًا لرفع البلاغ ضد عمرو وأحمد، في محاولة لإيداعهما السجن. ثم — حين انكشفت الحقيقة وأصبح المتهمون الحقيقيون على وشك الملاحقة — استُخدم التوكيل ذاته للتنازل عن القضية درءًا للحبس. ورقة واحدة، جريمتان.
أما نوال الدجوي نفسها، فهي لا تعلم أنها تعرّضت للسرقة. لا تعلم أن محضرًا رُفع باسمها ولا أنه جرى التنازل عنه. ولعلّها لم تعد تعلم أن لها أملاكًا أصلًا. وهكذا تسكن اليوم في بيت من نهبوها — وهي في غفلة تامة عن كل شيء.

الحقيقة لا تنتحر
خرجت تحريات المباحث النهائية قاطعة: اتهام عمرو وأحمد لا أساس له من الصحة. وأكّدت في الوقت ذاته أن المتهمتين الحقيقيتين هما المتوفاة منى الدجوي وابنتها إنجي منصور، بمساعدة الفنّي مصطفى هدية.
والمسروقات؟ الإجابة مؤلمة في بساطتها — لا تزال على الأرجح بحوزة من نفّذوا الجريمة. والمرأة التي سُرق منزلها وثروتها تعيش اليوم تحت سقف واحد مع من سرقوها.
كتب عمرو الدجوي هذه الصفحات بيده، وكان يودّ أن يكتبها بصحبة أخيه أحمد — رحمه الله — ليجلسا معًا يضحكان من سنوات عمريهما التي أُهدرت وسط مجرمين. لكن الموت لا ينتظر نهايات القصص.
هذه السطور رواها صاحبها عمرو الدجوي (هو مسئول عن ماكتبه) وحق الرد مكفول لأي شخص ورد أسمه في هذه السطور



